مجد الدين ابن الأثير
112
المختار من مناقب الأخيار
فمشيت خلفه وهو بين يدي مؤتزر بإزار ، مرتد برداء ، ومعه الدّرّة ، كأنه أعرابي بدوي فقلت : من هذا ؟ فقال لي رجل : أراك غريبا بهذا البلد ؟ فقلت : أجل ، رجل من أهل البصرة . فقال : هذا عليّ أمير المؤمنين رضي اللّه عنه ، حتى انتهى إلى سوق الإبل فقال : بيعوا ولا تحلفوا ، فإنّ اليمين تنفّق السّلعة وتمحق البركة . ثم أتى أصحاب التمر فإذا خادم تبكى فقال : ما يبكيك ؟ فقالت : باعني هذا الرجل تمرا بدرهم فردّه مواليّ ، فأبى أن يقبله . فقال له علي رضي اللّه عنه : خذ تمرك وأعطها درهمها ، فإنها ليس لها أمر . فدفعه ، فقلت : أتدري من هذا ؟ قال : لا . فقلت : هذا عليّ أمير المؤمنين . فأخذ تمره وأعطاها درهمها وقال : أحب أن ترضى عني يا أمير المؤمنين . قال : ما أرضاني عنك إذا أوفيتهم حقوقهم . ثم مرّ مجتازا بأصحاب التمر فقال : يا أصحاب التمر ! أطعموا المساكين يرب كسبكم . ثم مرّ مجتازا ومعه المسلمون حتى انتهى إلى أصحاب السمك فقال : لا يباع في سوقنا طافي « 1 » . ثم أتى سوق الكرابيس ، فأتى شيخا فقال : يا شيخ ، أحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم . فلما عرفه لم يشتر منه شيئا . ثم أتى آخر فلما عرفه لم يشتر منه شيئا ، فأتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم ولبسه ، ما بين الرسغين إلى الكعبين ، يقول في لبسه : الحمد للّه الذي رزقني من الرّياش ما أتجمّل به في الناس وأواري به عورتي . فقيل : يا أمير المؤمنين ! هذا شيء ترويه عن نفسك أو شيء سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فقال : بل شيء سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقوله عند الكسوة . فجاء أبو الغلام صاحب الثوب ، فقيل له : قد باع ابنك من أمير المؤمنين قميصا بثلاثة دراهم . قال : أفلا أخذت درهمين ؟ فأخذ أبوه درهما ، ثم جاء به إلى أمير المؤمنين وهو جالس مع المسلمين على باب الرّحبة فقال : أمسك هذا الدرهم . فقال : ما شأن هذا الدرهم ؟ فقال : كان قميصا ثمن درهمين . فقال : باعني رضاي وأخذ رضاه « 2 » .
--> ( 1 ) كذا في ( أ ، ل ) والوجه « طاف » . ( 2 ) أخرجه ابن عساكر ( المختصر 18 / 62 ) .